قيام المسؤولية المدنية للجهة الحكومية
إلى جانب مسؤولية الموظف العام في حالة الإرتباط المادي
بين الفعل غير المشروع والوظيفة
اشار القانون الكويتي إلى هذا النوع من الإرتباط عندما استخدم في المادة 240/1 عبارة: "متى كان واقعا منه، في اداء وظيفته". ويقصد بالإرتباط المادي الحالات التي يشكل فيها فعل الموظف اخلالا بما عهد إليه من أعمال وظيفته. أيّ أن يكون العمل الذي قام به الموظف مما يدخل في أعمال وظيفته، ولكن هذه الطريقة في الاداء كانت خطأ أو مخالفة للقانون وترتب عليها ضرر للغير فتقام مسؤوليته عن هذا العمل غير المشروع، وتبعا لذلك تسأل الجهة الحكومية طبقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه. والإرتباط المادي يشكل أوضح صور الإرتباط بين الفعل غير المشروع والوظيفة لوجود علاقة سببية واضحة وقوية بينهما، فلولا تأدية الموظف لوظيفته لما وقع الضرر، ولذلك تسأل جهة العمل التي يتبعها الموظف بصرف النظرعن قصد الموظف ونيته عندما ارتكب الفعل غير المشروع، أيّ سواء أكان قاصدا اداء عمله بجد واخلاص أم كان مندفعا إليه بدافع شخصي، بل تسأل أيّضا حتى لو اخطأ الموظف خطأً جسيماً أو تعمد الخطأ، حيث لا يشترط أن يكون الموظف قد تصرف بناء على اوأمر الجهة التي يعمل فيها أو تعليماتها. فقواعد المسؤولية في القانون المدني في هذه الحالة تقتصر على تنظيم العلاقة بين الموظف وجهة عمله من جهة وبين المضرور من جهة اخرى، أما فيما يخص علاقة الموظف بجهة عمله فتحكمها قواعد القانون الإداري على نحو ما سنرى في الفصل الثاني.
وعمل الموظف غير المشروع المرتبط بالوظيفة إرتباطا ماديا إما أن يكون ايجابيا وأما سلبيا؛ ويكون ايجابيا في الحالة التي يقوم فيها الموظف بتأدية عمل من أعمال وظيفته، دون أن يكون الاداء سليمان فيظهر عمله معيبا بالفعل غير المشروع الذي أضر بالغير. ومثال ذلك أن يخطئ الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي في علاج مريض فيسبب له ضرراً، أو أن يدهس السائق وهو يتولى قيادة السيارة الحكومية في مهمة رسمية أحد المارة في الطريق، أو أن يعتدي عسكري على أحد الافراد لرفضه الخضوع للتفتيش في أحد المواقع المكلف بحراستها، أو أن يقوم شرطي بتعذيب أحد الافراد بعد القبض عليه للحصول منه على معلومات أو انتزاع الاعتراف منه. ففي جميع هذه الحالات يكون الموظف مكلفا باداء العمل. ولكن الفعل غير المشروع يقع بسبب الطريقة التي انجز بها ذلك العمل.
أما الفعل غير المشروع السلبي فيتحقق بامتناع الموظف عن القيام بالمهمة التي تفرضها عليه وظيفته عندما تتعلق بمصلحة للغير ممن ينتفعون من نشاطات المرفق الذي يعمل فيه الموظف، ومثال ذلك الموظف الذي يرفض تسجيل أحد المرضى للحصول على العلاج في المستشفى دون سبب قانوني، أو أن يؤدي إهمال الموظف المكلف بمراقبة حمام السباحة في النادي إلى غرق أحد الاشخاص
|
المبحث الأول
قيام المسؤولية المدنية للموظف العام
إلى جانب مسؤولية الجهة الحكومية
طبقا لقواعد القانون المدني تخضع المسؤولية المدنية للموظف العام لأحكام مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه, فأحكام هذه المسؤولية لا تقتصر على روابط القانون الخاص فقط وانما تسري أيّضا على روابط القانون العام كرابطة الوظيفة العامة. وبناء على ذلك تكون الجهة الحكومية هي المتبوع، أما التابع فهو الموظف العام الذي يعمل في تلك الجهة. ووفقا للمادة 240 من القانون المدني الكويتي يكون المتبوع مسؤولا, في مواجهة المضرور, عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى كان واقعا منه، في أثناء اداء وظيفته أو بسببها. وهكذا فإن مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه تقتصر على الضرر الذي يحصل بفعل التابع عند ممارسته لمهام وظيفته دون سواها، ويعود ذلك إلى أن علاقة التبعية بين الموظف والجهة الحكومية لا تشمل كل نشاط الموظف وانما تتحدد في اطار مهام الوظيفة بما لا يجوز معه اطلاق وصف المسؤولية المدنية للموظف العام على كل ما يرتكبه الموظف من افعال ضارة في أثناء ممارسته لمختلف انشطة حياته.
ومسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه تتقرر فقط في مواجهة المضرور، أيّ لمصلحته, ولذلك لا تقوم هذه المسؤولية في العلاقة بين التابع والمتبوع فيكون للمتبوع أن يرجع على التابع بكل ما دفعه للمضرور. كما لا اثر لقيام مسؤولية المتبوع على مسؤولية التابع تجاه المضرور، بل تبقى هذه المسؤولية قائمة، ويحق للمضرور الرجوع على التابع أو الرجوع على المتبوع ايهما يفضل، كما يمكنه الرجوع على التابع والمتبوع معا، عندئذ يكونان مسؤولين بالتضامن أمام المضرور. ولكن لا يجوز للمضرور أن يجمع بين تعويضين، فإن حصل على تعويض من أيّ منهما امتنع رجوعه على الاخر.
واذا كان يشترط لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه وجود إرتباط بين مهام الوظيفة وفعل الموظف الضار فإن اثبات هذا الإرتباط ليس بالأمر السهل في احوال كثيرة، بل أن هذه المسألة آثارت صعوبات كبيرة في التطبيق العملي، كما اختلف فيها الفقه، وان كانت تدور حول ثلاث صور, هي ارتكاب الفعل غير المشروع في أثناء تأدية مهام الوظيفة، وبسبب الوظيفة، وأخيرا بمناسبة الوظيفة، وما لا يندرج تحت هذه الصور لا يتصل بالوظيفة بأيّ رابطة ويخرج عن نطاق المسؤولية المدنية للموظف العام. ويسأل عنه مسؤولية شخصية من يرتكبه ولا تسأل عن ذلك جهة عمله.
وعلى الرغم من ذلك فإن هذا القسم يتسم بعدم الدقة والوضوح. فهو لم يبين كيفية قيام ذلك الإرتباط. كما لم يضع معيارا دقيقا وواضحاً يمكن الاعتماد عليه للفصل بين أيّ درجة من الإرتباط وغيرها من درجات التقسيم لهذا الإرتباط، وهو ما نلمسه بين ارتكاب الفعل غير المشروع بسبب الوظيفة وارتكابه بمناسبتها، أو بين الأخير والفعل غير المشروع الاجنبي عن الوظيفة، ولذلك فنحن نتفق مع ما ذهب إليه بعض الفقه من الاعتماد على تقسيم ثنائي يتمثل في صورتين من الإرتباط هما: الإرتباط المادي والإرتباط النسبي.
|
|
|
المقدمة
يخضع الموظف العام لأحكام ثلاثة انواع من المسؤولية القانونية. فقد يسأل إداريا وجنائيا ومدنيا. وكل مسؤولية منها مستقلة عن الأخرى، وما يعنينا في هذا البحث هو مسؤوليته المدنية، التي يتحدد نطاقها في اطار المسؤولية التقصيرية، وتقوم هذه المسؤولية نتيجة وقوع عمل غير مشروع يسبب ضرراً للغير بحيث يلتزم المسؤول عنه تعويض هذا الضرر.
وتتميز المسؤولية المدنية للموظف العام بخصوصية معينة بسبب إرتباطها بالمسؤولية المدنية للجهة الحكومية التي يتبعها وما يترتب على ذلك من وجوب تطبيق نوعين من القواعد القانونية. النوع الأول: القواعد العامة للمسؤولية المدنية كما ينص عليها القانون المدني لتنظيم العلاقة بين المضرور والمسؤول عن الضرر، والنوع الثاني: القواعد التي يقررها القانون الإداري وتحكم العلاقة بين الجهة الحكومية والموظف التابع لها.
أن هذه الخصوصية الفريدة في أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام تتمثل في جمعها بين أساسين مختلفين للقواعد القانونية ينتمي كل منهما إلى فرع من فروع القانون مغاير للفرع الاخر، فالقانون المدني ينتمي إلى القسم الخاص، في حين ينتمي القانون الإداري إلى القسم العام، فإلى أيّ حد تتوافق تلك القواعد القانونية في تنظيمها لأحكام المسؤولية المدنية للموظف العام؟ وما تأثير ذلك في أحكام تلك المسؤولية ؟.
وهو ما سنجيب عنه من خلال تقسيم البحث إلى فصلين على النحو التالي:
الفصل الأول: أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام في القانون المدني (تطلب الخطأ لقيام المسؤولية).
الفصل الثاني: أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام في القانون الإداري (التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي).
Keep your laptop out of extreme hot and cold temperatures, which could affect the performance of the PC.
تكامل القانونين المدني والإداري في تطلب الخطأ
لقيام المسؤولية المدنية للموظف العام
ومدى إعتبار ذلك ضمانة وظيفية
الدكتور/صالح ناصر العتيبي
الملخص
تحظى الوظيفة العامة في الكويت بأهمية بالغة بحكم اعتماد الدولة عليها في إدارة مرافقها, فضلا عن أنها تمثل المصدر الرئيسي للدخل- ومن أجل حسن أداء الموظف العام لمهام وظيفته فإن القانون يفرض عليه عددا من الواجبات, ويوفر له في المقابل الضمانات اللازمة للاضطلاع بهذه الواجبات.
وقد يحدث خلال قيام الموظف بواجبات وظيفته أن يقع منه ما يسبب ضرراً للغير.
وسواء وقع ذلك عن عمد أو عن غير عمد, أو عن خطأ جسيم أو مجرد إهمال, أو وقع على الرغم مما بذل من حرص وتبصر وروية, أو أسهمت في وقوعه ظروف العمل أو مقتضياته, وأيا كانت الدوافع أو الظروف التي كانت وراء هذا الفعل الضار فإن ذلك لا يؤثر في ما رتبه القانون المدني من حق المضرور في الحصول على التعويض اللازم سواء بمقاضاة الموظف وحده أو بمقاضاة جهة عمله أيضا تطبيقا لأحكام مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه أو بمقاضاتهما معا. وتنحصر مسؤولية الموظف العام التقصيرية في تلك الحالات التي تتطلب الخطأ لقيامها, بمعنى أن الموظف لن يسأل مدنيا إلا إذا نسب إليه خطأ فيما أتاه من فعل ضار, أما إذا لم ينسب إليه خطأ فإن المسؤولية تتحملها جهة عمله وحدها.
وإذا قامت جهة العمل بالوفاء للمضرور بما استحقه من تعويض بسبب خطأ موظفها فإن قواعد القانون المدني تجيز لها أن ترجع على الموظف بكل ما دفعته للمضرور. ولكن لأن العلاقة بين الجهة الحكومية وموظفيها ينظمها القانون الإداري فإن قواعد المسؤولية في هذا القانون توصلت إلى ضرورة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي, ورتبت على ذلك نتيجة مفادها تحمل الموظف لعبء التعويض في حالة الخطأ الشخصي, أما في حالة الخطأ المرفقي فإن الجهة الحكومية تتحمل التعويض, على الرغم من أن الخطأ في الحالتين هو خطأ الموظف. وبذلك يتضح أن القانونين المدني والإداري قد تضافرا لإيجاد ضمانة للموظف العام, مفادها أن يقدم على أداء عمله دون أن يخشى تحمل المسؤولية المدنية في ماله الخاص فيما لو وقع ضرر للغير ما دام حسن النية ومتوخيا الحيطة والحذر إلى الحد الذي ينأى بفعله عن الخطأ الشخصي ويدخله في نطاق الخطأ المرفقي, ولا شك في أن ذلك سوف ينعكس أثره إيجابيا على المرفق العام.
|